السيد محمد حسين فضل الله
56
من وحي القرآن
في ميزان واحد ، من دون أن يطغى جانب منه على جانب ، لأن ذلك هو معنى التوازن في إنسانية الإنسان وواقعية الحياة . ولهذا فرّع القرآن عدم الإيمان على الخسارة ، أو اعتبره مظهرا لها ، فإذا فقد الإيمان فقد النور الذي يشرق في فكره وقلبه ، والهدى الذي يفتح عيونه على الصراط المستقيم ، والنهج الصالح الذي يخطط له الحاضر والمستقبل . وهكذا كان الموقف المتعنّت لهؤلاء في ما رفضوه من حقيقة المعرفة للرسول خسارة لهم في داخل حياتهم وخارجها ، لما تمثله خسارة الإيمان من ضلال وضياع في ظلمات التيه . خسارة النفس أفظع أشكال الظلم وليست قضية الخسارة هنا مجرد خسارة ذاتية ، ولكنها أفظع أشكال الظلم ، وأيّ ظلم أعظم من أن يظلم الإنسان ربّه ؟ لا ظلم القوّة ، لأن الإنسان يمثّل الضعف كله أمام اللَّه ، ولكنه ظلم الافتراء والكذب ، والإساءة إلى مقام اللَّه الذي خلقه ورزقه وتعهّده في كل حياته ، بالرحمة والرعاية التامّة ، في ما ينسبه إليه من الباطل ، وفي ما يكذّبه من آياته . . ثم هو الظلم الكبير للحياة وللإنسان ، في ما يشوّهه من الحقائق ، ويهدّمه من القضايا ، ويضلّله من الخطوات ، فليست الأكاذيب التي يفتريها هؤلاء مجرد كلمات تتحرك في الهواء ، وليست المواقف التي يقفونها ضد شريعة اللَّه مجرّد مواقف تتجمد في حياة أصحابها ، ولكنها تتحول إلى شريعة من شرائع الباطل التي يدين بها الناس باسم الحق ، أو سنّة يقتدي بها الناس في ما يقتدون به من سنن الأولين ، لأن أصحابها يمثّلون انتماء دينيا ، له قداسة الدين في ما يعتقده الناس ، ويملكون موقعا كبيرا له احترامه العميق في ما يعيشه الناس من احترام المقامات الكبيرة ، ولهذا كانت القضية تشكل خطرا مستقبليا على مستوى الفكر والعمل ، مما جعل من ممارستها ممارسة لأكبر أنواع الظلم ، لأنّ أيّ ظلم ، غير هذا اللون من الظلم ، يأخذ لنفسه حجما محدودا ، ولا